الشيخ محمد رشيد رضا

399

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قال : « إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل - إذا ظهر الإدهان في خياركم ، والفحش في شراركم ، والملك في صغاركم ، والفقه في رذالكم » أورده الحافظ وأه ، ثم قال وفي مصنف قاسم بن أصبغ بسند صحيح عن عمر : فساد الدين إذا جاء العلم من قبل الصغير ، استعصى عليه الكبير ، وصلاح الناس إذا جاء العلم من قبل الكبير ، تابعه عليه الصغير . ( قال ) وذكر أبو عبيد أن المراد بالصغر في هذا هذا صغر القدر لا السن اه وصغير القدر هو المهين الذي ليس له من العقل والفضيلة وعزة النفس ما يحترم به ويتخذ قدوة ، كما هو شأن أكثر المسترزقة بطلب العلوم الشرعية ، ومنه يعلم أن الكبير هو الكبير بعقله وفضله ، لا بنسبه وماله ، « 1 » حرم اللّه تعالى على عباده ان يقولوا عليه شيئا بغير علم ، والرأي والظن ليس من العلم ، قال تعالى في غير المؤمنين ( 53 : 28 وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) وما شرع من اجتهاد الرأي في حديث معاذ وغيره فهو خاص بالقضاء لأنه نص فيه ويتوقف عليه ومثله سائر الأحكام الدنيوية ، من سياسية وإدارية ، لا في أصول دين اللّه وعبادته وما حرم على عباده تحريما دينيا فان اللّه أكمل دينه فلم يترك فيه نقصا يكمله غيره بظنه ورأيه ، بعد وفاة رسوله ، وليس لحاكم ولا مفت أن يسند رأيه الاجتهادي إلى اللّه تعالى فيقول هذا حكم اللّه وهذا دينه ، بل يقول هذا مبلغ اجتهادي فإن كان صوابا فمن توفيق اللّه تعالى وإلهامه وان كان خطأ فمني ومن الشيطان كما روي عن بعض أئمة سلفنا الصالحين . ومن تأمل هذه الآية حق التأمل فإنه يجتنب ان يحرم على عباد اللّه شيئا أو يوجب عليهم شيئا في دينهم بغير نص صريح عن اللّه ورسوله ، بل يجتنب أيضا ان يقول هذا مندوب أو مكروه في الدين بغير دليل واضح من النصوص ، وما أكثر الغافلين عن هذا المتجرئين على التشريع ، وقد بينا مرارا في هذا التفسير أن هذا حق اللّه وحده ، ومن تهجم عليه فقد جعل نفسه شريكا له ، ومن تبعه فيه فقد اتخذه ربا له ، وقد كان علماء الصحابة والتابعين يتحامون القول في الدين بالرأي ويتدافعون الفتوى حتى في موضع الاجتهاد . وإنما كان أئمة الأمصار يقصدون بالتوسع في الاستنباط فتح أبواب الفهم لا التشريع الذي ألصق

--> ( 1 ) كالأستاذ الامام رحمه اللّه تعالى فقد كان مهيبا على تواضعه ولطفه حتى كان أمير البلاديها به وقال مرة انه يدخل علي كأنه فرعون : فذكر ذلك للأستاذ فقال انما فرعون صاحب ملك مصر وهو هو وإنما انا من رعيته .